آخر تحديث في : 2017-05-07 10:50:00 - تاريخ اليوم : 2017-11-25 12:22 PM

"طريق الحرير القديم".. ممر تاريخي ممتد عبر العالم جمع بين التجارة والثقافة والسياسة

  • 2017 May 07
  • 4299

يعتبر طريق الحرير القديم من الممرات التاريخية التي ساهمت في نمو وازدهار الشعوب والحضارات قديما والتي طال صيتها إلى عالمنا الحديث حيث جمع هذا الطريق بين التجارة والثقافة والسياسة.
 
وكان عبارة عن مجموعة من الطرق والخطوط البرية والبحرية المترابطة والتي تمتد لنحو 15 ألف كيلومتر تسلكها القوافل والسفن قديما بهدف نقل البضائع التجارية بين الصين وآسيا الصغرى والوسطى وبلاد العرب والفرس وأفريقيا وأوروبا وقد تصل مدة الرحلات إلى عدة شهور.
 
ولعبت هذه الطرق دورا في تلاقي الثقافات والشعوب وتيسير المبادلات بينها فقد اضطر التجار إلى تعلم لغات وتقاليد البلدان التي سافروا عبرها وقام العديد من المسافرين بسلك هذه الطرق للدخول في عملية التبادل الفكري والثقافي التي كانت عامرة في المدن الممتدة على طول هذه الطرق.
 
وتطور السفر عبر طرق الحرير بتطور الطرق نفسها حيث كانت المدن الواقعة على امتداد طريق الحرير توفر الطعام والماء وأماكن الراحة للمسافرين بالإضافة إلى السلع المعدة للتبادل التجاري عبر عدة (خانات) وهي عبارة عن (مضافات) و(نزل) كبيرة مصممة لاستقبال التجار المسافرين.
 
ويعتبر مصطلح (طريق الحرير) في الواقع حديث عهد نسبيا إذ لم تحمل هذه الطرق القديمة طوال تاريخها اسما بعينه حيث حمل عدة أسماء منها (طريق اليشم) و(طريق الأحجار الكريمة) و(طريق البوذية) و(طريق الفخار والخزف) و(طريق التوابل) وغيرها وكل اسم من تلك الأسماء كان يخص جزءا من طريق الحرير.
 
وفي منتصف القرن التاسع عشر أطلق العالم الجيولوجي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن على هذا الطريق اسم (طريق الحرير) نسبة إلى أشهر سلعة تحتكر انتاجها الصين آنذاك وأبقت على سرها نحو ثلاثة آلاف سنة حتى إنها كانت تعدم كل من يتجرأ على إفشاء سر إنتاج الحرير لشخص غريب.
 
ولم يشكل الحرير سوى واحد من المنتجات العديدة التي كانت تصدرها الصين إلى العالم حيث كانت الأواني الخزفية هي ثاني أكبر سلعة تصدرها إلى العالم.
 
ومن أهم البضائع التي انتقلت من هذا الطريق الزجاج والأحجار الكريمة والتوابل والزعفران والعطور والعقاقير الطبية والنباتات بشتى أنواعها والحيوانات وجلودها والمشغولات الخشبية والفنية والأسلحة وغيرها.
 
ومن أبرز الإنجازات التقنية التي خرجت من هذا الطريق إلى العالم تقنية صناعة الورق وتطور الصحافة المطبوعة الذي أحدث نقلة نوعية في مجال العلوم وسهولة تدوينها.
 
وتردد نوع جديد من المسافرين على الطريق وهم علماء الآثار والجغرافيا وتوافد هؤلاء الباحثون من عدة دول وأخذوا يجتازون صحراء شمال غرب الصين قاصدين استكشاف المواقع الأثرية القديمة المنتشرة على طول الطريق.
 
وتجاوزت أهمية الطريق على كونه معبرا للقوافل التجارية فأصبح معبرا ثقافيا واجتماعيا وانتقلت عبره الديانات فعرفت (البوذية) وعرفت آسيا عن طريقه (الإسلام) حتى أن العديد من هذه المدن تحولت إلى مراكز للثقافة والتعلم.
 
وتذكر المصادر التاريخية أن مدينة (شيان) الصينية التي تعد بداية طريق الحرير كانت أول مدينة يدخلها الإسلام على يد التجار العرب.
 
ولعب العرب دورا محوريا في تجارة طريق الحرير بالنظر إلى موقعهم الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا حيث كان نقطة تلاق ملزمة برا وبحرا لقوافل التجار العابرين.
 
وعرفت العلوم والثقافات والفنون الإسلامية بشكل تدريجي في الصين على نطاق واسع حتى انتشر المسلمون وتاجروا في مختلف الموانئ والمدن الساحلية الرئيسة في الصين وساهموا بالإسلام ونشره وقاموا ببناء مساجد وبفضلهم اعتنق صينيون كثر الإسلام.
 
ويرجع تاريخ العلاقات الصينية وبلاد الإسلام في القرن الثامن عندما امتدت الدولة الإسلامية شرقا وغربا وصل نفوذها إلى الحدود الغربية للصين وبذلك أصبحت الأجزاء الكبرى من طريقي الحرير البري والبحري واقعة في ديار الإسلام.
 
ومن الملفت أن الصينيين في بداية تواصلهم بتجار الجزيرة العربية كانوا يطلقون على الأحجار الكريمة وشبه الكريمة اسم (حصى العرب) ظنا منهم أن أرض العرب مفروشة بها وذلك لكثرتها.
 
وبالنسبة للطرق البحرية فقد كان التجار البحارة يواجهون تحديات متعددة أثناء رحلاتهم الطويلة لاسيما المتعلقة ببناء البواخر وسلامة الرحلات البحرية خلال القرون الوسطى.
 
وأنشئت الموانئ على السواحل التي تقطعها هذه الرحلات التجارية البحرية مما وفر فرصا حيوية للتجار لبيع حمولاتهم وتفريغها والتزود بالمياه العذبة حيث كان النقص في مياه الشرب يعد أحد المخاطر الكبرى التي واجهها البحارة في القرون الوسطى.
 
وكانت جميع البواخر التجارية التي تعبر طرق الحرير البحرية معرضة لخطر آخر هو هجوم القراصنة لأن حمولاتها الباهظة الثمن جعلتها أهدافا مرغوبة.
 
ومع تغير الخارطة السياسية والاقتصادية في أوروبا وآسيا بعد القرن التاسع الميلادي وخاصة تقدم تكنولوجيا الملاحة برز دور النقل البحري في التبادل التجاري لذا اضمحل دور طريق الحرير البري التقليدي.
 
وترجع قصة اكتشاف طريق الحرير إلى العصور القديمة في القرن الثاني قبل الميلاد عندما أرسل أحد الملوك الصينيين جنرالا إلى المناطق الشمالية الغربية من الصين لإقناع القبائل هناك بالتضامن معه للقضاء على فتنة داخلية حيث استغرقت الرحلة نحو 13 عاما.
 
وعاد الجنرال بعدها إلى العاصمة بعد رحلة أسطورية تكبد خلالها الأسر مرتين من دون تحقيق الغاية العسكرية لكنه حقق الانفتاح الاقتصادي بمعرفته تفاصيل الطرق حيث أعاد الكرة ثانية بقافلة كبيرة ضمت البضائع المختلفة وبدأت القبائل على جانبي الطريق تتبادل وتشتري وتبيع حتى نهاية حدود الصين.
 
وكان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار الكثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والمصرية والهندية والرومانية والحضارة الإسلامية حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث.
 
وفى الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي كان على طول طريق الحرير اربع دول امبراطورية كبرى وهى روما وبارثيا وكوشان واسرة هان الصينية في شرق آسيا حيث جعل الطريق هذه الحضارات العريقة تتبادل وتتأثر بعضها بالبعض وبعد ذلك تطورت بصورة منعزلة.
 
ومع انتشار الحروب آنذاك اتخذ التجار المسارات البحرية من هذا الطريق لأنها أكثر أمانا من الطرق البرية إلى أن فقد الطريق أهميته وتأثر سلبا وبدأت تجارته تنكمش شيئا فشيئا وتحولت حركة التجارة إلى مسارات أخرى عبر المحيط الهندي من آسيا الجنوبية إلى شمال أفريقيا مرورا بالبحر الأحمر حتى خليج السويس.
 
ومن أهم الأسباب التي أدت الى توقف هذا الطريق هي الاكتشافات البحرية الكبرى وانحدار الإمبراطوريات واكتشاف تصنيع الحرير في أوروبا إضافة الى كثرة الصراعات والحروب العرقية والدينية والسياسية التي كانت أهدافها اقتصادية بحتة علاوة على اغلاق بعض من أجزاء الطريق من قبل الأتراك وافتتاح قناة السويس في مصر عام 1869.
 
وعاد (طريق الحرير) التاريخي بين آسيا وأوروبا إلى الانتعاش مجددا في ابريل من عام 2005 في مرحلة أولية تشمل سبع دول أسيوية تبدأ بتركيا وتنتهي بكازاخستان لكن هذه المرة بواسطة القطارات عوضا عن الخيول والجمال وتمتد رحلات القطار إلى مسافة عشرة آلاف و560 كيلومترا يقطعها في 38 يوما.
 
وفي عام 2013 أطلقت الصين مبادرة (الحزام والطريق) لتحيي تجربة عرفها العالم قديما ببعديها الاقتصادي والثقافي لخلق طريق بري وبحري لتعزيز الربط الدولي ودعم حركة التجارة.
 
وتأمل الصين أن يخلق هذا المشروع نشاطا تجاريا تفوق قيمته 5ر2 ترليون دولار أمريكي خلال 10 سنوات وتبلغ التكلفة التقديرية للطريق نحو 47 مليار دولار أمريكي حيث يشمل الطريق أكثر من 60 دولة فى قارات آسيا وأوروبا وافريقيا.
وفي 18 يناير الماضي وصل أول قطار لنقل البضائع من مدينة (ييوو) شرقي الصين إلى العاصمة البريطانية لندن بعد أن قطع قرابة 12 الف كيلومتر خلال رحلة استمرت 18 يوما.

تعليقات الزوار

آخر المقالات

خطأ (#32)
آخر تحديث في : 2017-05-07 10:50:00 - تاريخ اليوم : 2017-11-25 12:22 PM

خطأ (#32)

.حدث خطأ داخلي في الخادم

The above error occurred while the Web server was processing your request.

Please contact us if you think this is a server error. Thank you.